قال شيخي ( يرحمه الله ):
الأحلام وماادريك ماالأحلام .. حقيقة أم خيال !! وهم أم أسرار!! ام هي راحة للعقول والأجساد من تعب التفكير والنصب في النهار !! أم هي وساوس الشيطان !! ام هي تنقية الروح من الهم والأدران !! أم هي إعلام النفس لما بعد الموت من أخبار !! أم هي اتصال الأرواح بملكوت الخالق الديان !! يتساوى فيها الغني والفقير فهما بعيدان عن دائرة الصراع وعقدة الألوان !! كلنا نحلم ونحقق ما يعجز عنه صناديد الرجال !! بعضها يتحقق .. والكثير منها ينفى في دائرة النسيان !! بعضها رمزية الشكل والأخرى زاهية الألوان !! ننام متقاربين .. بالمكان والزمان لكن الحلمين مختلفان !! فأحلم بالسعادة والجاه وتحلم بالتعاسة والخسران !! وهكذا دواليك حتى تبدأ مرحلة النسيان عندها تقوم الساعة ويوضع الميزان فيجتمع النقيضان فينتهي الزمان .. فلازمان ويصبح الخيال منسيا منفيا وتظهر الحقيقة العظمى للعيان .. عندها لن يصبح الفرد مملوكا لفرد آخر فالملك يومئذ للواحد القاهر عندها ستعرف ايها المسكين كم كنت عاجزا قاصر !! ستعرف كم كنت في الدنيا مخدوعا مكابر حينها ستعرف ان عالم الخيال وهم وان عالم الحقيقة عالم آخر !! عفوا ياولدي لم يكن همي سجعا اوفلسفة لكن تلك مقدمة لكلام قد تتعب العين من قراءته ناهيك عن تحليل اومناقشه !!
كيف تتكون الأحلام ؟
ان وظيفة الأحلام مرتبطة بوظيفة النوم والخلايا العصبيه الدماغيه هي المنطقه المسئوله عن تكون الحلم وتسمى المتخيله وهي الحاسه الباطنه التي نستعيد بها إحساساتنا الماضيه كما انها تعمل في النوم واليقظه وهي في النوم اوضح واقوى لأنها متحررة من القيود التي تلحق بها من الحواس الظاهرة والعقل فيعوقها عن افعالها الخاصه اما في اليقظه فتلك أحلام اليقظه وهي وسيلة للهروب من واقعنا الملىء بشتى التناقضات وتحقيق ماعجزنا عن إدراكه وقد نشبه المتخيله بالشاشة اللأقطه الحافظة لأنماط السلوك والأحداث والتي تبدأ الأرسال عندما يرتاح الجسم جزئيا عن ممارسة نشاطه اليومي كما ان قضية التخيل تعبر عن وظيفتيين مختلفتين اولهما مجرد الأستعاده لأحداث ماضيه والأخرى التأليف والأبتكار وقد نجد في بعض الأحايين اثناء النوم صورا خياليه لاتتفق مع المنطق الواقعي الفعلي وهذا مرده ان تلك الصور قد مرت دون إعتراض اوتصحيح لامن الحواس اوالعقل
فقد تحلم بأنك حيوان مفترس قد يرمز هذا الى شيء معين يدخل في دائرة تفسير الأحلام اما حقيقته فتتجافى مع المنطق وقد يكون الأحساس الضعيف ببعض المؤثرات الخارجيه سببا للأحلام كما يحدث ايام الشتاء حين تجلس امام المدفأه فيغلب عليك النعاس فتخلد الى النوم قريبا من الحراره فتحلم بأنك تشاهد إحتراق شيئا ما كما إن الأحساسات العضويه احد الأسباب التي تدفع المخيله لمحاكاة صورا من شأن النفس ان تميل اليها كالجوع مثلا يحلم صاحبه بالمأكولات الشهيه والعطش بشرب الماء السلسبيل ضف الى ذلك ان للأحلام الناشئه عن الأحساسات العضويه اهمية طبيه اذ انها تدل في بعض الأحيان على حالة الجسم العضويه وما يحث فيه من تغييرات يمكن ان يستدل منها على حالات مرضيه خاصه فيدلل ابن سينا في هذا الصدد بقوله : ان من علامات غلبة الصفراء الأحلام بالنيران والرايات الصفر ومن غلبة السوداء الأحلام بالأشياء السود والمخاوف وقد تكون الأحلام مكونة من حركة التأثيرات المتبقية من اعضاء الحواس الظاهره وعلى أيّ حال فأن شرط حدوث الأحلام لابد ان يسبقه سكون الحواس والعقل سكونا جزئيا فالنائم لايكون في حالة استرخاء تام فقد يستجيب احيانا ولوجود اجهزة وحاسة خاصة يقظه لديه لبعض المنبهات الخارجيه بدليل ان الأم قد تستغرق في النوم بالرغم من اصوات السيارات المزعجة ولكنها تستيقظ بمجرد بكاء طفلها الرضيع !!
ماهية الأحلام !!
منذ القدم وعلماء النفس والفلاسفه يدرسون ويحللون مواضيع وماهية الأحلام وطرق تفسيرها علهم يعرفون حكمتها لكن هيهات ان يعلم القاصر حكمة ابدعها الكامل والتدبر في ملكوت الله انما هو إنسجام مع الفطره ومهمة اساسيه للعلماء والله يقول : يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات 00 الأيه وقد شغلهم البحث في هذا الموضوع كونه يدخل في عالم الغيبيات ذلك المجهول المتغير الذي يختلف الناس فيه لاتحكمه قواعد اوقوانين محدده تخضع لمنطق اوتجربه قال بعضهم : ان الأحلام تنبؤات عن حوادث مستقبليه يستشفها العقل الباطن حين يكون الجسم في حالة سكون اثناء الليل ومما حدا بهم للأعتقاد بهذا التفسير مصداقية بعض الأحلام فقد تحلم بإنك زرت مدينة في اسبانيا مثلا وتذكر إسمها في منامك بأنها “تولادو” والحقيقة انك في عالم اليقظه لاتعرف هذا الأسم من خبرة سابقه فتفاجأ حين تكتسب خبرة لاحقه ان هذا الأسم مطابقا لمارأيت في الحلم اومحرفا تحريفا بسيطا
وأضافوا على ذلك بأن الحلم ماهو الا شريط دقيق يصل بين مشاكل الحالم وهدفه النهائي وقد تحلم بحلم ما فيتحقق بكامله في المستقبل وعلى النقيض ترى فئة اخرى ان حديثهم مجرد خرافه فأيمانهم بها ودفاعهم عنها تجعلهم يصدقون ذلك فهم ينشدون من وراء ذلك الشهرة والمال وإقناع الناس بصدق تنبؤاتهم يساعدهم في ذلك عجز السواد الأعظم من الناس بتفسير احلامهم فهم لايعرفون انفسهم في يقظتها ناهيك في منامها وتحت نواميس اشد شفافية وهذا يدفعهم للأستعانة بأدعياء العلم لتفسير تلك الأحلام !! ويردف بعضهم فيقول : ان الأحلام وسيلة لأعادة التوازن النفسي عن طريق الأشباع الرمزي للرغبات المكبوته التي لايمكن تحقيقها في اليقظه وقد يكون الحلم تخليصا من الواقع والأحداث المتكرره المؤلمه وفي تلك الحاله يأتي الحلم مغايرا للواقع فقد تحزن في اليقظه وتفرح في المنام وهكذا كنوع من التعادليه بين المتناقضات وقد تتمنى ان تصبح وزيرا قبل منامك بلحظات قطعا لاتستطيع تحقيق تلك الرغبه فعندما تنام فأن الحلم يتابع حالة اليقظه ويكملها ويتحقق ماأردته وتعليل ذلك ان الأحداث المختزنة اخيرا هي التي تبدأ احلامنا لا انها حديثه ولم تمسح من الذاكره وقد يصدق ما يقول بعضهم احيانا من اننا نحلم بالأمور التي تتجه اليها اشد انفعالاتنا
ويدللون على ذلك ان العاشق يحلم بوصال محبوبته والمبرز يحلم بتحقيق طموحاته وهنا يبرز سؤال هام ياولدي هل للأخلاق دور في تكوين الصور الأحلاميه ؟ بالطبع نعم ولا فقد تجد قاضيا يحلم بالسرقة والقتل دون ان يكترث اويندم وتجد لصا يحلم بتطبيق العدل ومحاكمة اللصوص ومثله ينطبق على الفروقات الفردية بينهم ويضيف علماء النفس ان الحالم يتحرر من كل القيود الأجتماعية المحيطة به في اليقظه وآخرين على النقيض يرون ان الحلم ما هو الا مرآة صادقة تعكس الخواص الخلقيه للأفراد مادام ان مصدر الحلم ماهو الا خبرات اما صنعناها اوقلناها اورغبنا فيها فقد يحدث ان المحسن الكريم لايحلم بالبخل والسرقه لانها تتناقض واخلاقياته وهو لايطبقها في سلوكه الواقعي وليس لها وجود في التفكير الشعوري واللأشعوري وعليه فلا مجال لتصويرها في الأحلام وكلا الطرفين على صحه وذلك لعدم وجود دليل اومقياس علمي دقيق يؤكد صحة رأي احدهما0
انواع الأحلام
1 – احلام كاذبه :
وهي التي تنشأ عن الأحساسات البدنيه وتسمى اضغاث احلام وتكون عادة مختلطه ومضطربه غامضة فأنت قد ترى احلاما لامعنى لها فحين تستيقظ لاتكاد تعرفها ولاتذكر ترابطها فهي خياليه وغير واضحة المعالم ويحلل بعض علماء النفس سبب حدوث ذلك ان الحاله النفسيه آنذاك لاتكون بحالة جيده وقيل ان هذا النوع من الأحلام هو من الشيطان0
2 – الوحي اوالألهام :
وهو نوع من العلم يفيض الله جلت قدرته على من يشأ من عباده نبيا اوانسانا فتنكشف له بعض الأسرار وتتضح له بعض الحقائق والمتتبع للقرآن الكريم يلحظ ذلك في قوله تعالى : إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه ابي يأت بصيرا ( يوسف الأيه 93) فقد علم يوسف عليه السلام عن طريق الألهام الألهي ان اباه سيرجع اليه بصره حينما يلقى القميص على وجه وقوله تعالى : اذ اوحينا الى امك مايوحى ان اقذفيه في التابوت فأقذفيه في اليم ( طه الأيه 38،39) وفي العاده يحدث الوحي اوالألهام اثناء اليقظه0
3 – الرؤيا :
نوع آخر من الأحلام اهمها وانفعها لاتنشأ عن إحساسات خارجيه اوداخليه وليست استمرارا لليقظه اومن بقاياها انما تنشأ عن إتصال النفس بالملكوت الأعلى ويحدث ذلك اثناء النوم وفي بعض حالات اليقظه والرؤيا وردت في القرآن الكريم بمعنى الرؤيا الصادقه التي يلقي الله سبحانه وتعالى الى انبيائه ورسله كقوله تعالى : اذ قال يوسف لأبيه ياابت اني رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ( يوسف الأيه 42) وقد تحققت الرؤيا حينما استدعى يوسف ابويه وأخوته فلما دخلوا عليه سجدوا له تحية وإكبارا وقد قيل ان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال : العجب من رؤيا الرجل انه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال فتكون رؤيا كأخذ باليد ويرى الرجل الرؤيا فلا تكون رؤياه شيئا فقال علي كرم الله وجه : افلا اخبرك بذلك ياامير المؤمنين ! يقول الله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى الى اجل مسمى ( الزمر الأيه42) فالله يتوفى الأنفس كلها فمارأت وهي عنده سبحانه وتعالى في السماء فهي الرؤيا الصادقه ومارأت اذا ارسلت الى اجسادها فهي الكاذبه ومن المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى احدكم شيئا يكرهه فلينفث حين يستيقظ عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من شرها فأنها لاتضره0
لماذا تنسى بعض الأحلام عند اليقظ !
أ - شدة تسلسل الصور الأحلاميه ونسيانها لأنها اضعف من ان تحفظ في حين نحفظ مايجاورها من صور اشد قوة !
ب- غرابة الأحداث يؤدي الى نسيانها فالغريب صعب حفظه في الذاكره لأنه يتعبها حين الأسترجاع0
ج- عدم تسلسل اجزاء الحلم يؤدي احيانا الى عدم تذكرها اما في حالة اليقظه فبعض علماء التربيه يؤيد تعلم وأكتساب الفرد للمعرفه او الخبره على فترات متقطعة مترابطة الجوهر بعضها البعض كما ان بعض علماء الأدارة يؤيد طريقة تحقيق الهدف بتقسيمه الى عدة اهداف صغيرة تمر بعدة مراحل عند التنفيذ ونستفيد من هذا كله ان النسيان هبة ونعمة من الله فالمعرفه والنسيان ضدان اوجدهما الله في النفس البشريه بنسبة متعادله فلا يطغى احدهما على الأخر وان حدث فلحكمة ارادها الله ولك ان تتخيل عدم نسيان الآلآم والمصائب التي مرت بك في حياتك اكنت ترضى بذلك !! وتتعجب حين ترى حاسوبا يختزن المعلومات ثم تسترجع بلمسة من اناملك !! عقلك ياولدي معجزة الهية يخزن ويمسح ويحلل ويتخذ اصعب واعقد القرارات بل هو من اخترع الحاسوب والنعم الأخرى فسبحان المنعم حين فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا0
طرق تفسير الأحلام
هناك طريقتان لتفسير الأحلام هما :
أ - التفسير الرمزي للأحلام بمعنى ان كل شيء في الحلم له رمزفي اليقظه كقوله تعالى : وقال الملك اني رأيت سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ياأيها الملأ افتوني في رؤياي ان كنتم للرؤيا تعبرون ( يوسف الأيه 44) وتفسيرها ان سبع بقرات سمان وسبع سنبلات خضر ترمزان الى سبع سنوات رخاء وسبع بقرات عجاف وسبع سنبلات يابسات ترمزان الى سبع سنوات قحط وجدب !
ب – منهج الدليل ( الكاشف) أي البحث عن الحلم وتأويله في كتب تفسير الأحلام فتجد مايفسره !
عندها توقف شيخي ثم اكمل عفوا ياولدي ان اثقلت عليك بموضوع في علم النفس لكني على يقين بأنها تستهوينا وموضوع الأحلام نزر يسير منها كما ان الأحلام استئناس للعقل وتدريب للنفس لتقبل حتمية الموت فالنوم ماهو الا موت اصغر وان الروح هي الأعجاز والأبداع التي يجب التفكر والتدبر في اسرارها لمعرفة قدرة خالقها وعظمته وشكره على نعمه التي لاتحصى !! وأملي ياولدي ان هممت بالنوم ان تقول كما قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم اذا اتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل : اللهم اسلمت وجهي اليك وفوضت امري اليك والجأت ظهري اليك رغبة ورهبة اليك لاملجأ منك الا اليك آمنت بكتابك الذي انزلت ونبيك الذي ارسلت
وعندها ادرك شيخي النوم فسكت عن الكلام المباح وجلست احلل وأفكر في ما قال حتى الصباح0
المراجع:
1- الدعاء المستجاب من الحديث والكتاب جمع وترتيب احمد عبد الجواد
2- القرآن وعلم النفس د0 محمد عثمان نجاتي
3- الأحلام سيجموند فرويد عرض وتقديم د0 مصطفى غالب
4- الأدراك الحسي عند ابن سينا د0 محمد عثمان نجاتي
5- علم النفس الفسيولوجي د0 عباس محمود عوض
6- مبادىء علم النفس العام د0 يوسف مراد
7- تفسير الأحلام ابن سيرين والنابلسي