قال شيخي ( يرحمه الله )
عندما خلق الله الأنسان سخر له احتياجاته لخدمته وترك بعضها ليحاول بماوهبه من قدرات وملكات بتسخيرها لنفسه ولغيره وتبدأ الحاجات الأساسيه للفرد بألظهور تدريجيا عند الولاده بحسب احتياجه فألرضيع يطلب الحاجات الضرورية المناسبة كألأكل والشرب والأخراج ثم تتدرج الحاجات الأخرى المناسبة له عمريا ويزول الدافع للحاجة المشبعة مؤقتا ولكنها تستجد بوجود الدافع اليها قد لايكون بنفس الدرجه والقوة والأهميه ولكنها ضرورية لبقائه وقد يعجزالفرد عن إشباع بعض الحاجات إما لنقص قدراته لتحقيقها او عدم تسخيرها له او أسباب اخرى لايعلمها الا الله وتتجلى حكمة الخالق بأيجاد الأتزان بين قدرات الفرد وتحقيق احتياجاته ولنتخيل لو تم اشباعها كلها ماذا سيبقى ويفعل بعدها !! ستنتهي حياته لأنعدام التفاعل بينهما وهذا ينافي حكمة الخالق وعلة الخلق !! وقد حاول علماء النفس وبما وهبهم الله من قدرات فكريه تصنيف حاجات الفرد الأساسيه ومنهم على سبيل المثال : ماسلو الذي وضع هرما لها سمي بأسمه ورتبها تصاعديا حسب اهميتها للفرد وهي :
1 – الحاجات الفسيولوجيه ( الجسميه ) :
هي الحاجه للطعام والماء والهواء والتزاوج .. وهي غرائز فطرية وضرورية لحفظ الجسم في حالة إتزان وبقاء النوع وأستمراره حياتيا فألطفل يبحث عن الثدي عند وضعه في حضن أمه من علمه ذلك !؟ اهو دافع الجوع فقط بألطبع لا.. فخالقه اوجد الدافع وخلق الفطرة لديه ولادخل لعقله في الأختيار !! من علمه ان الفم البوابه الأولى لدخول الطعام !؟ وتتكررالحاجات يوميا ويزول دافعها عند إشباعها ويحاول ضعاف النفوس في حالات اليأس تعطيل بعضها كألأضراب عن الطعام اوالشراب احتجاجا وضعفا وهذا عجز وتعطيل حكمة الله وفطرته فتحقبق الوسطية يتم بألأتزان الروحي والجسدي فألحاجات الجسميه ضرورية للأنسان والحيوان والنبات وصدق الله تعالى : فكلوا ممارزقكم حلالا طيبا سورة النحل الأيه 114 )
2 – الحاجة الى الأمن :
الأمن هو تحرر الفرد من الخوف ماديا ومعنويا فوقوعه تحت وطأته ينشأ عنه امراضا نفسية معقده والخوف المزمن مرض نفسي خطير فألحاجة الى الأمن ضرورية ومهمة فكلنا يود الأطمئنان على نفسه وأسرته وعمله كما ان فقدانه يضعف المقاومة ويقتل الأبداع فتتبلورالأستجابة بسلوك قسري لايتناسب وطبيعة الظروف الموضوعيه للموقف كألخوف من الموت فعندما ينبأ الفرد بموت احد فانه يضحك هستيريا كما أن االخوف يبرز جليا عندما لاتحكم هذه الطبيعة بقوانين الهية بل وضعية مزاجية ونظر لتقلب الأهواء دون رادع فلا يطمأن الفرد على نفسه فيدخل في دائرة الخوف التراكمي وقد خبرت عن يقين ان الدواء الناجع يتمثل بألأيمان بالله ففيه الأمان والأطمئنان فألشعورالروحي اليقيني بأن للكون مدبر عدل واحد احد يخرجك من دائرة الخوف الى دوائر الأطمئنان وصدق الله تعالى : ( الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف سورة قريش الأيه 4 )
3 – الحاجات العاطفيه والأجتماعيه :
خلق الفرد اجتماعيا يأنس لنوعه ولغيره ومنه نشأت المجتمعات وتتلخص تلك الحاجات في الحب والأنتماء فألحب شعور سامي وضروري لأستمرار الحياه ولك ان تتصور ياولدي مجتمعا متناحرا يكره ويقتل بعضه بعضا !! الم نسمع حديث رسولنا الكريم ( من حسن ايمان المسلم ان يحب لأخيه مايحبه لنفسه ) أما الشعور بألأنتماء فهو حاجة الفرد لممارسة الأنشطه والأفراح والأحزان مع الأخرين ولعل عقوبة السجن للمجرم عقوبة عادلة واشدها الأنفرادي فألحرمان من ممارسة النشاط الطبيعي احساس بالغربه والتعاسه وأبتعادا عن الفطره وتعاني بعض الدول المتقدمه صناعيا من فقدان نعمة الأنتماء ويعلل علماء النفس سبب تعاسة الأنسان وعدم رضاه إفتقاره للأنتماء العاطفي والأجتماعي ذلك الشعور المتوفر قديما عندما كان الناس يعيشون ضمن قبائل وعشائر يربطهم رباط المحبه فينعكس إحساسا بألرضا والأطمئنان اذا فألحب والأنتماء ضروريان للفرد في حياته وصدق الله تعالى : ياأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم ( الحجرات الأيه 13 ) 0
4 – الحاجة للتقدير:
هذه حاجة نفسية وأجتماعيه يحتاجها الفرد ليتكيف أجتماعيا وهناك علاقة وثيقة بين إحترام النفس وتقدير الأخرين ذلك ان الفرد حين يقوم بأداء عمل ما فأنه يود ان يشعر الأخرين بأهميته وتزداد الثقة بألنفس وبألعمل طرديا مع ردود الفعل الأيجابية لدى الأخرين نحوه وربما يكررالسلوك ذاته او أحسن اوأسوء وبأستمرارتكراره تنشأ المكانة الأجتماعيه كما ان تقدير الأخرين لاينشأ عن تكرار السلوك السلبي لأنه إحتقارا لفاعله كأن يهيأ للفرد ان الكذب وسيلة لتقدير الأخرين فيحاول تكراره لجذب إنتباههم ولكنه سرعان ما يكتشف فيحتقر 00 ان إحترام النفس انما تتجسد في التمسك بألمبادىء الشريفة والأخلاق النبيله وان لم تعجب الأخرين فألثقة أمشاج من المبادىء والقيم الفاضله تعكس سلوكا حضاريا راقيا فتؤدي لتقدير الأخرين وأشاعة الأمن النفسي للفرد وقد يصاب من لايشبعها بأحباط فيشعر بألعزله وأحتقارالذات وربما يتمرد فيتخذ سلوكا عدائيا مع نفسه ومجتمعه اوينحى سلوكا آخر وصدق الله تعالى : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وماربك بظلام للعبيد ( فصلت الأيه 46 )
5 – الحاجه لتحقيق الذات :
هي رغبة الفرد بأظهار قدراته ومهاراته للوجود في عمل اوموقف ما للتعبير عن شخصيته وأبراز مكوناتها ويعبر ماسلو عنها بقوله : الحاجة لأن يكون الفرد من يستطيع ان يكون وأن يؤدي من الأعمال مايستطيع اداءه فألأطفال يعبرون عن ذواتهم بألرسم اوتقليدهم حركات وسلوك الكبار وقد استفاد علماء الأداره من أهمية تلك الحاجة فأولوها اهتماما كبيرا ونادوا بأشباعها لدى العاملين بألمنظمات الأداريه فتطبق مبدأ وضع الموظف المناسب في المكان المناسب يؤدي لزيادة معدلات الكفايه الأنتاجيه وأشاعة الرضا بين العاملين نتيجة للتعبيرعن ذواتهم في أداء مايحبون من أعمال وصدق الله تعالى : أن خير من أستأجرت القوي الأمين ( القصص الأيه 26 )
6 – الحاجات الجماليه والفكريه :
تعني حاجة الفرد للتعليم والمعرفه والتجربه والتحليل والتذوق والفلسفه والتعمق في المعاني وسبر أغوارها فألفرد يحتاج اليها لأكتساب الخبرة المساعده للأندماج أجتماعيا عبر كلام وسلوك مفهوما لديهم ثم يرتقي لمرحلة التجربة والتحليل فيما تعلم وبما يتفق مع المنطق الفطري والمكتسب لديه فينعكس ذلك في سلوكه العام المكون لشخصيته العامه اما الفلسفه فتلك قضية هامة تحتاج لبحث آخر فألحكمة ضالة المؤمن هو أحق بها انى وجدها فمعرفتها تقربا للخالق بشتى الأحاسيس والجوارح فيعرف عن يقين لايرقى اليه شك ولايدانيه وسواس قوة الواجد وعلة الوجود وحكمة الموجود وصدق الله تعالى : يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ومايذكر الا اولي الألباب ( البقره الأيه 269 )
تلك كانت أهم الحاجات الأساسية للفرد والتي يندرج تحتها حاجات كثيرة تتعلق بها مع اعترافي بقلة بضاعتي وكليل عبارتي لكن هو جهد المقل وبضاعة المرتحل ومامحاولتي في تحليل تلك النفس الا فيضا من نوره يسبغه على عقولنا لنجنهد فأن اصبنا فمنه وله الحمد والشكر وأن أخطأنا فمن انفسنا راجين عفوه 00 مع ملاحظة قواعد يجب مراعاتها في هرم الحاجات الأساسية للفرد وهي :
أ – إختلاف ترتيب الحاجات بأختلاف الأفراد :
لايجادل اثنان على إختلاف الأفراد في ترتيب إشباع حاجاتهم في النوع الواحد او الجنس وليس ضروريا إنتقال الفرد من إشباع حاجة ملحه لأشباع حاجة اخرى أقل أهميه وأكثر رقيا في هرم ماسلو فقد يشبع فرد حاجة تقدير الأخرين قبل إشباع الحاجات العاطفيه ونستطيع تشبيه الترتيب الهرمي للحاجات بدرجات السلم فبعض الأفراد يصعد درجة ثم اخرى وآخر يقفز درجه او درجتين وتتحكم الفروق الفردية في القدرات فيما بينهم في ذلك وتتجلى حكمة الله بأختلافهم خلقيا وخلقيا ليتم التكامل الأجتماعي بينهم !!
ب – إختلاف درجة الأهمية في اشباع الحاجات :
هذا أمر منطقي واضح فقد تعطي أهمية بالغة لأشباع الحاجات العاطفية والأجتماعيه بينما آخر لايعطيها أهمية ولايعيرها انتباه في تلك اللحظه فألرسام مثلا يعطي أهمية بالغة لأشباع الحاجات الجماليه والفكريه بينما الفلاح يركز على إشباع الحاجات الجسميه والأستقرار وتتحكم الأختلافات الجسديه والنفسيه في ذلك فحين يبدع الفرد في مجال ما فهو لايشبع حاجته فقط بل يتعداها لأشباع حاجات الأخرين المحرومين منها فألزيادة لديه تعوض النقص لديهم فيتحقق التكامل فيما بينهم فألأديب يشبع حاجته الجمالية والفكريه ويشبعها لغيره بألقراءة والأطلاع وصدق الله تعالى : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين ( سورة هود الأيه 118 )
جـ – إختلاف الأفراد في كمية اشباع الحاجات :
قد يتصور أديب ان حاجة إثبات الذات عنده بتعيينه رئيسا للرابطه بينما يتصورآخر ان طرح كتابا متميزا ينال عليه جائزة نوبل !! وقد تجنح الفتاة لأشباع حاجة تقديرالأخرين بألأنضمام لجمعية خيرية وأخرى للكتابة الأدبيه في الجرائد ولايقتصر إختلاف الأفراد في تصوراتهم عن كفاية الأشباع على الحاجات النفسية والأجتماعية فقط بل يتعداها ليشمل الحاجات الأخرى وقد يتصور بعضهم بألتساوي في إشباع الحاجات الجسمية ولكنهم حقيقة مختلفون فمنهم يكفيه صنفا من الطعام لسد جوعه وبكمية محدودة وهو مايسمى بألمنفعة الحديه بينما آخر يلتهم أصنافا كثيرة بل قد يختلف الفرد من وقت وموقف لأخر !!
د – إرتباط الحاجات الأساسية للفرد بألفرص المتاحة :
قد تضع فتاة حديثة التخرج أهمية كبيرة لأشباع حاجة إثبات الذات ولكنها تعين في وظيفة لاتناسب قدراتها وطموحها فتبحث عن اخرى اوترضى بألواقع اوتخفض الكمية المبذولة لها اوتحاول إشباع النقص بتوجيه نشاطها لحاجة اخرى وهو مايسمي علميا بتحويل الهدف وتنشط الكمية لديها حين تجد عملا مناسبا لطموحها وهناك علاقة طردية بين إشباع الحاجه والفرص المتاحه والنتيجة الفعلية ومستوى الرضى الفردي .
هـ – أهمية الزمن في تسلسل إشباع الحاجات للفرد :
يعتبر الزمن عاملا هاما في ترتيب الحاجات ودرجة الأهمية فقد تركز فتاة في ريعان شبابها على إشباع حاجة الأمن والأستقرار بألزواج ثم تصبح حاجة تقدير الأخرين أكثرأهمية فتسعى للأنضمام لجمعية نسائيه وهناك إرتباط كبير بين إشباع الحاجات والعمر الزمني للفرد فالطفل يختلف عن الكهل وعجبا تشابههما نسبيا في بعض الحاجات !! أن الأنسان يحاول إكمال إشباع الحاجات غيرالمشبعة وقد ينجح اويفشل وتلك حكمة الهية بل قد يرغب في إشباع الحاجات الجسمية وبعد فترة ينتقل تفكيريا وعمليا لأشباع الحاجات الجمالية والفكرية .
و – تعدد الحاجات الأساسية للفرد في آن واحد :
قد يعمد الفرد لأشباع حاجتين أوأكثر في آن واحد فينضم لمؤسسة أجتماعية لأبراز مواهبه وقدراته فيشبع حاجتين هما الأنتماء وتحقيق الذات وقد يدعى لوليمة يحضرها شخصيات هامة فيشبع الحاجة الجسمية وحاجة الأنتماء !! مع إرتباط الحاجات الأساسية للفرد مع بعضها وقد يؤدي إشباع حاجة لأشباع أخرى كما ان وجود حدا فاصلا بينها أمرا مستحيلا !!
ز – تكرار السلوك رغم إشباعه :
قد يتكرر السلوك رغم إشباعه فقد تشرب الماء مرات يوميا رغم إشباعه في كل مره اوتنضم لجماعة معينة لأشباع حاجة الأنتماء وتستمرمعهم رغم إشباعها ! ونظرا لأهمية الحاجات الجسمية فلابد من تكرارها لأتزان الجسم لأشباع غيرها لكن تكرار السلوك في الحاجات الأخرى قد يكون لمعرفة النتائج السابقه اوالخوف من سلوك جديد لاتعرف نتائجه او لأسباب اخري يعلمها الله !!
حـ – تأثير المجتمع على إشباع الفرد لبعض أحتياجه :
يؤثر المجتمع بثقافته كثيرا على الفرد سلوكيا في ترتيب وأشباع الحاجات لديه عن طريق الأعراف والتقاليد السائدة فيه ناهيك بتأثير المحيط العائلي والمنظمة التي ينتمي اليها وقد تكون حاجته محدودة بداية لكنه يبدأ بألتفكير بأشباع حاجات اخرى نهاية عند الأنضمام لجماعة معينة وهذا يسمى في علم النفس بتأثير المجموعة على الفرد !!
عذرا ياولدي ان حرقت جزء من وقتك بسماعي ولكني على يقين بان هذه المواضيع تستهويك كما تستهويني فانا نفس وانت نفس وكلانا من نفس واحدة وشتان بيننا ومامحاولتي تلك الا جهد المقل وبضاعة المرتحل للتعرف على بعض اسرارها لنؤمن عن يقين بقدرة الله وعظمته وصدق الله تعالى حين أقسم بها قائلا : ولا اقسم بألنفس اللوامه . سورة القيامه الأيه 2 ) وحينها أدرك شيخي النعاس فسكت عن الكلام المباح فصاح الديك وبان الصباح !!
نشر بمجلة جامعة الملك فيصل . العدد الخامس – السنه الخامسه 1403 هـ
المراجع :
1 – بعض المفاهيم الأساسية في سلوك الفرد .د. محمد أسماعيل يوسف
2 – المدخل السلوكي في الأداره . د. علي محمد عبد الوهاب
3 – مبادرء علم النفس . د. يوسف مراد
4 – علم النفس العام . د . عباس محمد عوض
5 – الفلسفة القديمه . د . محمد جلال شرف