قال : شيخي ( يرحمه الله )
يخطأ من يظن ان عملية الأداره سقط متاع وسفينة دون شراع وسلوك دون إبداع وقرار دون إقناع وهذا وأيم الله فهم كليل وإدراك سقيم وانا أقول ان الأدارة فن المستحيل وقرارات بعد دراسة وتحليل ونتائج تزيد الكفاءة والتحصيل وفلسفتها فن إدارة العوامل المنتجه لتحقيق أهداف محدده بأقل وقت وتكلفه وعلى قمتها الأنسان هذا الكائن الحي الذي كرمه الله بنعمة العقل فكان ارقى مخلوقاته !! لكن سلوكه غامض لايخضع لقانون ثابت فهو يختلف من نفس ونفس ومكان وآخر وموقف وثاني !!
فمنهم من تنفع معه كلمة طيبه فتؤتي اكلها وآخر تكون المادة أنجع دواء وثالث لاينفع معه لاهذا اوذاك بل زجر وتأنيب وعقاب وتأديب هي نفس متقلبة المزاج مختلفة الطباع غريبة الأطوار فسبحان من سواها فألهمها فجورها وتقواها حاول الفلاسفة تصنيفها فقالوا هي نفس عاقلة وهم طبقة النبلاء والحكماء وغاضبة وهم الجند وشهوانية وهم الرعاه ( الشعب ) ولكي تعيش الطبقه الأولى المؤيدة من السماء بزعمهم في بحبوحة من العيش سلطت الثانية على الثالثة لقمعها وتحطيم كرامتها !! وجهلوا ان النفس تمتلك تلك الصفات وغيرها وتنتقل في اللحظه الواحدة من حالة الى اخرى !!
لكن القول الفصل والحكم العدل ما اخبرنا به خالقها الذي ابدعها وعلم سرها ونجواها فهي اما امارة بالسوء اولوامه اومطمئنه تؤثر فيها الطاعة والمعصية ايجابا وسلبا فترقى الى مدارج الكمال اوتهوي في مكان سحيق !! ثم وضع قانون صيانتها بين كفتي ميزان عدل لاثريب فيه افعل ولاتفعل فإن أطاع واستقام فاز ورشد وأن تأبى وعصى خاب وكسد !!
والله يقول ونفس وماسواها فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها 00 الأيه ثم تابع شيخي قائلا : ان عملية الأداره من أندرالسلع وأهمها ولايملك ناصيتها الا القلة الموهوبين الذين اختصهم الله بملكاتها فأخذوا ناصيتها بالعلم وصقلوها بالخبرة والمران والدراسه والأداره اما ان تكون عفويه يمارسها كل فرد يوميا فأنت حين تريد ايصال ابناءك للمدرسه فأنت تمارسها لاشعوريا فتقوم من النوم مبكرا فتصلي الفجر ثم تتناول الأفطار ثم توقظ الأطفال 00 وتركب السياره وتختار الطريق الأنسب والأقصر المؤدي للمدرسه00 وقد تضطر الى تغيير المساق في يوم آخر لمشاكل عانيت منها في اليوم السابق وأما ان تخضع للتخطيط العلمي بوضع الخطة والأهداف الأستراتيجيه المراد تحقيقها فتلك عمليه معقده تحتاج لتنظيم وتخطيط ومتابعه وتنسيق 00 وإدارة ناجحه يقودها إداري مبدع لتطبيقها وسأحاول ياولدي بأجتهاد المقل وبضاعة المرتحل ان أحدد بعض صفاته فلنبدأ على بركة الله :
1 – المدير الأداري مرب ومعلم وقدوة ذو خلق قوّيم لايستند الى عمل عسكري يأمر فيطاع 00 ولازعيم سياسي يقول مالايفعل 00 ولا ديبلوماسي يضحك على الناس بمعسول الكلام ولكنه عمل عقائدي يستند على المعايشه والمخالطه المعتمده على القدوه الصالحه ولنا في رسول الله اسوة حسنة اذ يقول : لقد بعثت معلما ورسولا وكلنا يعلم سلوكه وتعليمه للأعرابي الذي بال في المسجد فقد ناده برفق ورحمة المعلم الذي أدبه الله فأحسن تأديبه قائلا له بلطف : ان هذه المساجد لاتصلح لشيء من هذا البول والقذاره انما هي لذكر الله وقراءة القرآن ثم اخذ دلو من الماء وصبه على مكان البول مما حدا بألأعرابي ان يقول : اللهم ادخلنا الجنه ولاتدخل غيرنا !! فالقدوه ركيزة أساسيه في التعلم والأداره كما ان تطابق القول بالفعل من أصول الأيمان مصداقا لقوله تعالى : ياايها الذين امنوا لم تقولون مالاتفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا مالاتفعلون 00 الأيه اتراك تقتنع بمنطق الطبيب الذي يحذر من مخاطر التدخين بحماس ثم يمارسه بشراهه ام تصدق الواعظ الذي يذم الكذب ويتوعد قائله بالويل والثبور ثم يمارسه على ارض الواقع تزلفا اونفاقا فإذا انتقدت سلوكهما ردا عليك خذ علمنا وأترك عملنا اترى يستقيم هذا المنطق الأعوج الأعرج !!
2 – المدير الأداري الناجح هو الذي يتيح الفرصة للشباب لتولي المناصب القياديه بجانب الكفاءات القديمه فحماس الشباب تكمله حكمة الشيوخ ولذا كان رسول الله يهتم بهم وحق لنا ان نعجب حين ولى رسول الله شابا يانعا يافعا لايزيد عمره عن ثمانية عشر عاما على إمرة جيش المسلمين وفيه من الصحابة من هو أكبر منه سنا وأكثر خبره ويزداد عجبنا حين نعرف ان ابابكر رضي الله عنه وهوحاكم المسلمين يستأذنه في بقاء عمر رضي الله عنه في المدينه للحاجة اليه !! كما إن اسناد عملية الأدارة ليست حكرا على فئه دون اخرى بل هي تعتمد على الكفاءه والجداره وليست الولاء والعصبيه !! وحين طلب ابوذر الولايه قال له رسول اله (ص) إنك ضعيف وإنها امانة وأنها يوم القيامة خزي وندامه الامن أدى حقها !! الا نتدبر ونعرف العلة الحكيمه والشريعة العليمه من وفاة ابناء الرسول (ص) قبله ونربط بينها وبين قوله تعالى : وأمرهم شورى بينهم !! وبين قوله : ليس منا من دعى الى عصبيه !! والأستفادة منها في أمور الأدارة والسياسه الأسلاميه العادله
3 – المدير الأداري الناجح هو الذي يدير العاملين بالمحبة والرحمه والأقناع وتأصيل الوازع الديني في النفوس اكثر ممايدير بالسلطه والتعسف والمراسيم فالعمليه الأداريه ليست مجرد أوامر ونواهي فقط بل هي عمليه انسانيه تكامليه تحفز العاملين لزيادة الكفاءه الأنتاجيه لديهم فالأنسان ليس آلة تدار بالمفاتيح وتشحن بالتيار بل هو كتله من الأحاسيس والمشاعر تتأثر بالكلمه والعمل ايجابا وسلبا وصدق الله اذ يقول : فبمارحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك 00 الأيه
4 – المدير الأداري الناجح هو الذي يرفض المديح حتى لو كان حقا خشية أن يؤدي كثرته الى الأضلال وبروز النرجسيه والرسول يقول : احثوا في وجوه المداحين التراب وحين وقف رجل يمدحه غضب عليه السلام وقال : لايستهويكم الشيطان فما أنا سيد احد انما انا عبد الله ورسوله !! وسار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده ، كما انه يقبل النقد ويوسع صدره للمعارضه فلا يغضب اويحقد ولاينتقم حتى لو اساء صاحب الحق في عرض قضيته او مظلمته فالله يقول : لايحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم 00 الأيه وعندما جذب اعرابي الرسول ( ص ) من طوق ثوبه قائلا : يامحمد زدني فليس المال مالك ولامال ابيك وغضب عمر رضي الله عنه رد عليه الرسول (ص) دعه ياعمر فأن لصاحب الحق مقالا !! وحين وقف عمر خطيبا وقال : اسمعوا وأطيعوا قال احدهم : لاسمع ولاطاعه فقال له : لم ياعبد الله !! رد عليه : لأن كلا منا أصابه قميص واحد وانت اخذت اكثر فرد عمر عليه اجبه ياعبد الله بن عمر فقال له : اني قد أعطيت نصيبي لأبي ليكمل ثوبه !! كما أنه لايحق للمدير الناجح ان يصادر رأي موظف اويطلب منه السكوت عن طلب الحق فقد اغلظ رجل امام الخليفه هشام بن عبد الملك فقال له وتتكلم ايضا رد عليه الرجل بقوله تعالى : يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها 00 الأيه افلا نكلمك كلاما عندها استحى هشام منه وقال : ويحك تكلم بحاجتك كما تشاء !! وعندما قال احدهم لعمر اتق الله ياعمر فأراد بعضهم إسكاته رد عليهم عمر بقوله : لاخير فيكم ان لم تقولوها ولاخير فينا ان لم نسمعها 0
5 – المدير الأداري الناجح لايسعى الى تجريح معارضيه والتشكيك في نياتهم وذمتهم وضمائرهم فالرسول الكريم كان يقبل النقد حتى من المنافقين والجهله ناهيك بأنه قد يدفعهم الى التهيب والأحجام واللوذ بالصمت والسلبية في السلوك خوفا من الأنتقام والتجريح فتكون المحصلة بروز التنظيمات غير الرسميه التي تؤدي الى تدني الكفايه الأنتاجيه 0
6 – المدير الأداري الناجح ملتزم بالعدل والحق حتى مع خصومه فالله يقول : ولايجرمنكم شنئان قوم على الا تعدلوا إعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله الأيه فأختلاف الرأي ظاهرة صحية وحكمه ربانيه والله يقول : ولوشاء ربك لجعل الناس أمة واحده ولايزالون مختلفين 00 الأيه اما ألتركيز على العلاقات الشخصيه والرضا النفسي وجعلها معيارا لمنح الحقوق فهذا ليس عدلا بل هو سلوك ممقوت فالجداره والكفاءه هما اللتان تحققان العدل والحق والأنتاجيه المرتفعة وليست الولاء والتبعيه !!
7 – المدير الأداري الناجح هو الذي يسعى الى اكتساب محبة الموظفين وثقتهم والرسول الكريم يقول : خيار ائمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم 00 فأكتساب المحبه انما يكون بالفعل والسلوك الهادىء بعيدا عن الدعاية الشخصيه والمنه الفوقيه والوظيفه العامه تكليف لاتشريف وقد اثبتت الدراسات الأداريه الحديثه ان ارتفاع المعدلات الأنتاجيه ينشا من أشاعة المحبه والثقه بين المدير والموظفين فتكون المحصلة زيادة معدلات الرضا النفسي بينهم مما يحفزهم لأبتكار طرق إبداعيه لزيادة الكفايه الأنتاجيه وتسهيل إجراءات العمل
8 – المدير الأداري الناجح ملتزم بأختيار ذوي الكفاءات والخبرة المناسبه وعلى الأخص مستشاريه وقد أحسن الخليفة عمر بن عبدالعزيز اختيار مجلس شورى من أهل التقوى والصلاح والمعرفه وكان يقول : من صحبنا فليصحبنا بخمس يرفع الينا حاجة من لايستطيع رفعها ويهبنا بجهده على أمرنا وينهانا عن الشر ويحثنا على الخير ولايغتابن أحد وعدم الأستعانة بالظلمه مهما كانت خبرتهم والمبرر لأختيارهم فالظلم ظلمات يوم القيامه وسببا رئيسيا لهلاك الأمم كما يجب الأهتمام بوضع الموظف المناسب في المكان المناسب والرسول الكريم (ص) يقول : من استعمل رجلا على عصابة وفيهم من هو ارضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين كما ان إستئثار المناصب لفئة وحجبها عن اخرى من أسباب قيام الساعه !
9 – المدير الأداري الناجح هو الذي يحترم من هم دونه في المنصب والوظيفه فلا يتكلف بالتعامل معهم ولايجعل بينهم حجابا بل الوسطيه بينهما فالأعتماد على التقارير المضلله والمديح الزائد للمدير وذاته تؤدي الى إتخاذ القرارات الجائره فتكون المحصله تدني مستوى الأنتاجيه ومن القصص المأثوره عن الخليفه ابي جعفر المنصور قوله : ماأحوجني الى اربعه لايقضى الملك الا بهم الأول قاض لاتأخذه لومة لائم والثاني صاحب شرطه ينصف الضعيف من القوي والثالث صاحب خراج لايظلم الرعيه والرابع ثم عض على بنانه وقال : آه آه قالوا : ماهو ياامير المؤمنين قال : صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة لايزيد ولاينقص والشاهد من هذا هو حسن أختيار الحاكم الصالح لبطانته القويه الأمينه تطبيقا لقوله تعالى : ان خير من استأجرت القوي الأمين الأيه
10 – المدير الأداري الناجح هو الذي يبادر بحل مشاكل مرؤوسيه قبل ان يطالبوه بذلك وذلك لكسر الحاجز النفسي وزرع الثقة فيمابينهم دون إراقة ماء وجوههم بذل السؤال رغم احقيتهم فقد دخل الخليفه عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه )على إمرأة عجوز في خيمتها وسألها عن حالها فقالت : لاجزى الله عمر عني خيرا فقال لها : ولم أصلحك الله ! فشكت له انها لم تتلق معونة منذ ولي الخلافه فقال لها : مايدريه بأمرك وانت لم تبلغيه بشكواك ! فأجابت قائلة : ماحسبت ان احدا يلي أمر المسلمين الا ويعلم بين مشرقها ومغربها ! فجعل عمر يبكي ويقول : ويحك ياعمر كم أضعت من حقوق المسلمين ثم احضر لها حقها من بيت مال المسلمين وبينما هي تتسلمه منه اذ مر جماعة من الصحابه فسلموا عليه فصاحت المرأه وآسوأتاه سببت أمير المؤمنين في وجهه وقد أكرمني ! فقال عمر : لاعليك ياأخيه !
11 – المدير الأداري الناجح هو الذي يقرر الوقت المناسب لتطبيق مبدأ المركزيه واللامركزيه في إدارته كما يجب مراعاة تسلسل السلطه وآلية إتخاذ القرار وتوزيع المسئوليات والواجبات والصلاحيات بطريقة عادلة تتناسب ومهام الوظيفة والأجر لينسجم الجميع في منظومة متناغمه لتحقيق الأهداف المحدده بأقل وقت وتكلفه وانظر الى أي إدارة حال غياب المدير العام وقس معدلات الكفايه الأنتاجية وستعرف مستوى التنظيم الأداري فيها !!
12 – المدير الأداري الناجح هو الذي ينمي ملكة الأبداع لدى مرؤوسيه ولايخشى من تفوقهم فهو دليل صادق على ثقته بنفسه وعليه الا يلجأ الى سرقة افكارهم المبدعة بل ينسب الآبداع والفضل لأصحابه مفاخرا بهم مع تفعيل مبدأ المكافآت الماديه والمعنويه تقديرا للكفاءه وأختيار الوقت المناسب لتطبيق مبدأ الثواب والعقاب وتنمية روح العمل الجماعي الأبداعي بينهم وتعميق مبدأ حرية السلوك الأخلاقي والأداري وبما لايخرق مبدأ ولايهدم صلاحية ولايتعدى سلطه !! كما ينبغي تنمية مبدأ الثقة بالنفس التي تنعكس ايجابا على معدلات الكفايه الأنتاجية وازدياد روح الشعور بحب الأنتماء للمجموعه والمؤسسة والأخلاص لها .
سكت شيخي برهة ثم استطرد قائلا : لعلك ياولدي لاحظت الصفات المشتركه بين الحاكم السياسي والأداري وهذا لعمري إستباط حكيم وإدراك عليم فكلاهما يمارس الأدارة بطريقة تتناسب وحجم وعظم المسئولية والنتائج المترتبة عنها لكن خطأ المدير يمكن تداركه واصلاحه وضرره وضحاياه أقل لكن خطأ الحاكم السياسي ضرره أكبر وضحاياه كثر والمحصلة اثمانا باهظة تدفعها الأجيال ولذا كان جزاء الحاكم العادل ان يظله الله في ظله يوم لاظل الا ظله !!
وهنا أدرك شيخي الصباح فسكت عن الكلام المباح وشقيت بالتفكير فيما قال حتى الصباح .