التعسف الوظيفي ضرورة تنظيميه ام نزعة سلوكيه !!

By أحمد الريعان

 

 

 

قال شيخي ( يرحمه الله) :

 

عندما تضيق الأمة بأرزاقها ويقل التخطيط في إداراتها ويتحكم الهوى والمزاجية في قراراتها فتكون الإنتاجية اقل اهتماماتها والنفاق والتملق جل غاياتها حينها يطفو التعسف بين أفرادها فالأرزاق عند الله وفي السماء مكفولة لكنها بين الأنام مغبونة فالنظام الوضعي قاصر لأنه صنع بشر يعتريه الوهن والنسيان فيمنح المسئول في بعض طياته وفقراته حرية الميل وتطفيف الكيل فيقول لمن يحبه هذا بعلمي أهم الكفاءات وأرقى السلوكيات وأعلى الإنتاجيات وهو من يلبسه المنصب بلا قياس فلا فكاك !! وذاك بزعمي أسوء العينات وأدنى السلوكيات والأنتاجيات وهذا المسئول هو الحاكم بأمره المتصرف بأسره !! يحميه النظام بحصانه فلا يطاله  بأنيابه ولا يسأل عن أفعاله !! إلا إذا اقترب من خطوط حمراء تخدش من فوقه إما من تحته فليس لهم ادني اهتمام ومكانة حتى لو سحقهم بأقدامه !! وهذا وأيم الله أرث قديم وسلوك ذميم وتصرف سقيم والإسلام من هذا بريء وعليم !! وذلك المحظوظ لايملك من الصفات الا الثقة والولاء والفذلكة والحذلقة في لعب الورقات ناهيك بمعسول الكلام في الجلسات وحب الخشم ومدح الأسم وتعظيم الرسم وزيف المجاملات !! فتكون الضحية تلك الإنتاجية وخسارة ذوي الكفاءات العلمية والعملية وكمحصلة طبيعية لهذا السلوك السقيم طفا اصطلاح التعسف على الرف والسطح وبان جليا في الأسم والحرف وكثر استخدامه في الأدارة والعرف !! فما هو التعسف !؟ بعبارة بسيطة ولفظة صريحة هو تجاوز حد الأعتدال والأعتدال هو الوسطية والوسطية هي العدل والعدل قامت على أركانه الحياة برمتها !! والله يقول : إن الله يأمر بالعدل والإحسان ..الآية والتعسف من العسف  وهو في الأصل إن يؤخذ المسافر على غير طريق ولإجادة ولاعلم وعسف البعير أي اتعبه بالسير والعسف هو الموت والظلم والعسف وجهان لعملة واحدة !! والمتدبر للقرآن والسنة المطهرة يلحظ بشاعة الظلم وفداحته وانه سببا رئيسيا لهلاك الأمم لأنه يصطدم مع صفات الخالق وحكمته وعلة الخلق ودقته !!  وسأحاول بجهد المقل وبضاعة المرتحل إن ابين لك  بعض الأمثلة لأنواع التعسف الإداري وثق إن ماسأقوله ليس من بنات أفكاري او نسج خيالي بل هو واقع الحال عن خبرة واستبصار تحدث في كل زمان ومكان وهي إحداث عاصرتها متأثرا ومؤثرا بها اوعلمتها عن قرب بشخوصها ورموزها فلنبدأ على بركة الله :

 

 التعسف في الترقية :

 ألترقيه احد الحوافزالتي كفلها النظام لرفع الكفاية الإنتاجية للموظف ومكافأته والمنطق ان يتطور ويتقدم الأنسان كحتمية طبيعية لحركة الحياة !! والترقية إما ان تكون نظامية اومسابقة اوإستثناء والأخيرة لا تخضع لشرطيهما بل يغلفها الهوى والمزاجية احيانا ثم تحمل المصلحه العامة تلك المطية المظلومة وزرها وتلك لاتعترف بمبدأ الجدارة والكفاءة بل الولاء والطاعة !! وهذا وأيم الله التعسف في اعلى درجاته !! وجه آخر حينما تكون الترقية من أصل لفرع او العكس والمسافة بينهما كبيرة والزيادة في الأجر لاتتناسب مع المسافة والمشقه ! مثال موظف ما بمحافظة ما بالمرتية الثالثة كفيف البصر تتم ترقيته الى المرتبة الرابعة بمحافظة اخرى بعيدة فإن نفذ فتلك مصيبة وأن لم ينفذ فالمصيبة أعظم ويضطر اخيرا لرفض الترقية واختيار الرسوب الوظيفي وتجرع كأس المرارة مثال آخر امراءة تتم ترقيتها الى مكان يبعد عن مقر سكناها ب160 كيلومتر ايعقل ان تضحي بألتزاماتها العائلية لتنعم بشرف تلك المرتبة العالية الم يرفع الله الحرج عن الأعمى ويعاتب نبيه فيه ويوصينا نبينا الكريم بالنساء خيرا أتضيق سعة الرحمة والقلوب وتعجز الأنظمة عن إيجاد حل لهذين الصنفيين وغبرهما اكاد أجزم بلا !!  لكن في الشط الآخر موظف محظوظ تفصل له المرتبة على مقاسه وفي المكان والوقت المناسب فتصد عن الجميع ولاترضى بغيره بديلا !! لكنه التعسف في القرار والتطفيف في المكيال !! نوع آخر من التعسف وهو عدم ترقية الموظف المستحق بل الأنتظار حتى يلحق المتأخر بالمتقدم وحينها يتم تفضيل الولاء على الكفاءه وهذا وأيم الله قمة الظلم اذ انه يلغي دور الأقدمية والخبرة !!

 

   التعسف في النقل :

النقل أحد الأجراءات الأدارية التي تتطلبها المصلحة العامة بهدف الأستفادة من خبرات الموظف لتحقيق معدلات مرتفعة من الكفاية الأنتاجية وقد ضمن النظام حق المنقول أداريا وماديا لكن قد يصاحب هذا النقل تعسفا اداريا يضر بالمصلحة العامة والشخصية ومسكينة ايتها المصلحة كم من المآسي ترتكب بأسمك!! أعرف موظفا انتقد تصرف رئيسه المباشر في قرارا يمسه شخصيا بأعذب لفظ وأبلغ حجة لكن الرئيس ضاق ذرعا وصدرا بهذا فأمر بنقله وتجميد سلوكه الوظيفي والغريب ان الأدارة القانونية هي التي أعدت القرار بنسجها وغزلها وتصدرت المصلحة العامة صدر هذا القرار وعندما رفع الموظف امره لوزارة الخدمة المدنية انصفته بعد سنة ونصف كان يتجرع خلالها مرارة الظلم وعندما رفع صوته قائلا : وماذا عمن ظلمني قيل له : لقد اخذت حقك اما خصمك فلديه حصانة وعلى رأسه عمامة !! والسؤال الهام هل العدل اعرج فينصف المظلوم ولايعاقب الظالم !! والعدل بربط الأداره القانونية في كل مصلحة بوزارة العدل تحقيقا لمبدأ الأستقلالية والعداله الوظيفيه في آلية اتخاذ القرار بعيدا عن التبعية الأداريه والهيمنة الأرهابيه النفسيه !! أعرف موظفا نقل من محافظة لأخرى بمجرد الظن وظل هذا المسكين يتجرع الظلم والمراره يوميا لكنه عاد بعد فترة زمنية بواسطة اقوى ممن ظلمه !! والسؤال هل نحتاج الى تعميق مبدأ الواسطة لرفع التعسف الوظيفي !! وقد يكون التعسف بألتهديد النفسي بنقل الموظف الى إدارة لاتتناسب وتخصصه العلمي والعملي اي مايسمى بألتجميد الوظيفي !! بدعة إدارية اخترعها المستبدون الأداريون وهي مبدأ استقطاب الدماء الجديدة على ذوي الكفاءات القديمه  فإن رغبوا عن ترقية موظف ما تم نقل اوتعيين موظفا ما لتفويت الفرصة عليه مع ان المادة 10 / 4 من نظام الخدمة المدنية تنص على الأتي : ان كان الموظف جديرا في عمله ذو كفاءة عملية وخلقية فهو المقدم في الترقية على أي موظف آخر من خارج الجهاز !! وأعرف موظفا ما تم نقل خدماته لجهاز حكومي على وظيفة شاغرة يستحقها بعض الموظفين في هذا الجهاز نظاميا فحرموا منها اليس هذا تطفيفا في المكيال وتعسفا في الحال وعقما في المقال !! كما ان الموظفين في المدن أكثر حظا وأوفر فرصا وأعظم قدرا من موظفي القرى والفروع !! كما ان استحداث نظام المقابلات الشخصية للمتسابقين للتعرف على الصفات السلوكية التي لاتوضحها الأمتحانات التحريرية كفن التعامل والتحدث والقدرة على إدارة الكلام والأبداع الوظيفي والسلوكي أهداف نبيلة وشروط جليلة لكن آه وآه منها اذا تلبست تلك الشروط بالأهواء والأمزجة انا لااعمم في تلك السلوكيات لكني اضرب امثلة موجودة وأنتقدها لنفيها الى غير رجعة !!

 

  التعسف في التكليف :

ينص النظام على تكليف الموظف بأعباء وظيفة اخرى إضافة لعمله بشروط معينة ولفترة زمنية محددة فالأفتراض المنطقي ان تشغل الوظيفة عاجلا او آجلا !! لكن قد يكلف الموظف بأعباء وظيفة اخرى اكبر مسئولية ولفترة زمنية طويلة !! كما ان تكليف بعض أعضاء هيئة التدريس بأعمال إدراية بعيدا عن التخصص يضر المصلحة العامة والمكلف قد يكسب وجاهة ودريهمات لكنه يتضرر واقعيا وكذا مرؤسيه  وهل يعقل تكليف دكتورا في الطب للاشراف على اعمالا إدارية مع وجود مدراء لها وبمراتب عالية لكن عقدة الدكترة عند بعض العقول تؤثر في بعض الأحيان عند إتخاذ القرار وكأنما الدكتور عملة رائجة تصلح لكل زمان ومكان ويعرف كل لون وفن !! اعرف موظفا مبرزا اختلف مع رئيسه المباشر فتم نقله الى إدارة هادئة وتم تكليف دكتورين بدلا عنه احدهما مشرف والآخر نائبا له وهذا إعتراف بأهمية المنقول بدليل تكليف دكتورين بدلا عنه فكانت المحصله تدني الكفاية الأنتاجية لهما وتلك الإدارة ونظرا لأهمية التكليف وتحقيق شروطه فقد شددت وزارة الخدمة المدنية بضرورة تزويدها بصور عن قرارت التكليف للتأكد من نظاميتها وتحقيقها المصلحة العامة لكن بعض الوزارات لاتلتزم بذلك اما لجهل اولأمر ما جدع قصير أنفه !! وعليه اصبح أمرا لازبا ربط مدير شئون الموظفين بوزارة الخدمة المدنية  لضمان نزاهة وعدالة إصدار القرارات والتخلص من التأثير السلطوي والتبعية الوظيفية !!

 

 التعسف في إعداد تقارير الكفاية :

ينص النظام على تقييم الموظف من قبل رئيسه المباشر عبر تقارير كفاية تحتوي على عناصر انتاجية وسلوكية وعامة يفترض انها تعكس بصدق شخصية الموظف ويستفاد منها في التقويم والترقية والتكليف وتخضع تلك العملية في بعض الأحوال الى عدم الدقة والنزاهة والمنطقية وقد تدخل المجاملة والهوى والمزاجية طرفا رئيسيا فيها وقد تجد موظفا متدني الأنتاج والدرجات يفوز على مرتفع الأنتاج والدرجات ويحظى بالحوافز والترقيات !! موظفا ما يعمل في إدارة انتاجية يتعرض للأحبار والكيماويات منحه رئيسه المباشر علامة 3 من 6 في بند المظهر الشخصي في تقرير الكفاية وحين جادله متظلما قائلا : لو جئتك ملمعا مظهري كاويا غترتي مقلما أظافري فأعطيتني 6 من 6 فقد ظلمت نفسك وظلمتني !! لأن هذا ببساطة يعني أنني لاأعمل بدليل عدم منطقية مظهري مع آليات مهنتي عندها سكت المدير ولم تنبس شفتيه بكلمة !! والعدل ان يتم اعداد تلك التقارير بأسلوب منطقي يكون التقوى ديدنها والأسلوب العلمي والمصلحة العامة مطيتها تطبيقا لقوله تعالى : ولايجرمنكم شنئآن قوم على الا تعدلوا اعدلو هو اقرب للتقوى واتقوا الله ..الأية كما توجد انواع اخرى من التعسف كتفضيل بعض الموظفين على غيرهم في المعاملة والأنتدابات والعمل الأضافي والعلاوات التشجيعية

 

سكت شيخي ثم أسترسل كيف ينشأ الظلم والتعسف ياولدي سأكفيك الأجابة  فأقول ان ثمة علاقة عكسية بين توفر الفرص وبروز الظلم كظاهرة فكلما توفر الرزق اختفى الظلم وشاعت الطمأنينة والعكس صحيح كما ان قوة الأيمان والأخلاق يلعبان دورا رئيسيا في تكوين الشخصيه العامه للعادل او الظالم !! وهنا يبرز سؤال آخر هل الظلم من طبيعة النفس البشرية مصداقا لقول الشاعر: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لايظلم ام انها صفة سلوكية مكتسبة من المجتمع وهل للمجموعة تأثير على الفرد في ذلك  لقد أجريت تجربة على ثماني أفراد وذلك بأدخالهم غرفة فردا فردا وأعطائهم ورقة بها الوان ثمانية مرتبة ثم تم الأتفاق مع سبعة منهم على ان يكذبوا أمام زميلهم الثامن عند سؤالهم عن ترتيبها ليرصدوا تأثير ذلك علية وردة فعله !! وتم ذلك فعلا وعند سؤاله اجاب بعد تردد كأجابتهم رغم شكه في ذلك لكنه وقع تحت التأثير النفسي عليه من قبلهم !! فالظلم سلوك مكتسب فالمولود يولد على الفطره السليمه النقيه ورسولنا الكريم يؤكد هذا بقوله : مامن مولود يولد الا على الفطرة فأبواه يهودانه او يمجسانه او ينصرانه !!

 

 فاذا اردنا ان نطبق العدل علينا ان نطبق الأسلام بحذافيره وعلى الناس جميعا لانستثني الا من حددته النصوص الشرعيه والأسلام دين الفطرة الربانية والحكمة الألهية فحين خلق الله هذا الكون اوجده بأتزان وحكمة وعدل فعلى سبيل المثال لاالحصر الحكمة من النار الأحتراق والماء الأستطراق والهواء الأسترقاق ولذا قال الشاعر : ورق نسيم الروض حتى حسبته  يجيء بأنفاس الأحبة نعما ثم انظر ان شئت من حولك وتدبر تلك النجوم والمجرات والأفلاك ايستقيم هذا الكون على الظلم حاشا لله !! ثم أنظر الى نفسك وتحسس جسدك بكل تفاصيله اترى هذا التنسيق الدقيق والأداء العجيب يقوم على الظلم حاشا لله !! ثم تدبر عالم الحيوان المفطور جبرا اتراه يقوم على الظلم حاشا لله !! فالمنطق العقلي والنقلي يقرر يقينا ان الكامل في ذاته وصفاته لاينشأ عنه ظلم اويعتريه نقص !! وجرب معي ان نضع في كل وزارة صندوقا ونسميه صندوق المظالم وانا على يقين انه ستعقد السنتنا ويحار بناننا حين نفتحه فنرى بأم أعيننا كمية الظلم والمظلومين شريطة ان يفتحه إنسان خارج السلطة !! وأن أردنا الأمن الحقيقي والهدى علينا إن ننبذ الظلم بشتى أنواعه ولانبرر أستخدامه تحت أي واقع وصدق الله تعالى : الذين أمنوا ولم يلبسوا أيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ..الأية وعندها غلب شيخي النعاس فسكت عن الكلام المباح وشقيت بالتفكير في ماقاله حتى الصباح !!

 

 

 

                                              

                                                                                                               

 

اترك رد